الأربعاء، 22 مارس 2017

قصة الجثث الوسيمة


الجثث الوسيمة

     كل يوم صباحا وعند ذهابى إلى العمل الجديد فى السابعة صباحا أو السابعة وربع تحديدا ، أرى أمامى وجوها جميلة ، تسير مبتسمة ، وجوه مغسولة بماء الورد أو اللافندر أو كلونيا خمس خمسات ، إنهم الموتى !
هكذا حدثت نفسى .
وربما يكون ما ذكرته كان ماضيا وأنتهى ، كان فى زمن قديم .
إنهم السادة العظماء القدامة ، سادة الأبيض والأسود .
وأصبح السادة الجدد يستخدمون كريم حلاقة جيد وجديد ومختلف ومستورد ، ولكن كانت الجثث الوسيمة السابقة والتى تطالعنى كل يوم ببشرتها شديدة البياض والجمال ، وهى تنتظر السائس يأتى بالسيارة من الجراج ، وبالقرب منها بخطوات ، هى بضع خطوات أراها تصنع طبقة مغايرة ، طبقة قد تكون أدنى مرتبة منهم وهم ينتظرون سائق الميكروباص سليط اللسان وهو يضحك ساخرا : ياللا يابشر ، تحرير ، أسعاف ، رمسيس
يقف فى أول جامعة الدول العربية تحديدا .
أرى السائق الأسمر النحيف يضع على عينيه فى الصباح الباكر نظارة سوداء ، أغمق من لون بشرته قليلا ، مما تضيف على سمته بعض الغموض والوسامة ، يقترب السائق من العربة ، يجلس على الكرسى الأمامى ، ثم يجلس السادة الأموات ، أقصد يجلس السيد على الكرسى الخلفى ، متصفحا بعض الجرائد الأجنبية .
 وسائق  الميكروباص يشدو بأغنية بذيئة ، ثم يتفل على الأرض ، وهو يردد بحرقة   : آه يابشر .
هذا المشهد كنت أراه فى الأفلام قديما ، فأضحك فى سرى وأنا أردد ،هل هناك حقا سادة حقيقيون فى هذا الواقع المعاش ؟
الآن رأيتهم بالفعل على بعد خطوة من محكمة العدل الجديدة ، أو ربما تكون المحكمة الدستورية العليا ، لم يثبت الأسم فى رأسى بعد ، حيث يتجاوزها السائق كل يوم وهو عابرا فى سرعة خاطفة ، شارع جامعة الدول العربية ، ويبصق بصقة كبيرة من النافذة ويغنى : آه لو لعبت يازهر .
لقد تجاوزت من العمر الكثير ، ومازلت أسير على قدمىِ المتعبتين  بآسى وحزن . وهم يتقدمون أمامى داخل سيارتهم الفارهة ، والسائس يفسح لهم الطريق . والسائق مازال يبصق من النافذة ويغنى ، ويردد بين الحين والآخر : أسعاف ، تحرير ، رمسيس .
**********************************************************************

  د. هويدا صالح دراسة في رواية بعد منتصف الليل   للكاتبة صفاء عبد المنعم   صدرت عن دار إضاءات عام 2025   تأتى رواية «بعد منتصف الليل...

المتابعون