د. هويدا صالح
دراسة في رواية بعد منتصف الليل
للكاتبة صفاء عبد
المنعم
صدرت عن دار إضاءات
عام 2025
تأتى رواية «بعد منتصف الليل»، الصادرة عن دار إضاءات
للنشر والتوزيع، للكاتبة صفاء عبد المنعم بوصفها عملاً أدبيًا متجاوزًا للحدود
التقليدية للرواية الواقعية، منفتحًا على آفاق التجريب السردى، وتفكيك البنية
الزمنية، واستبطان الذات الأنثوية فى لحظاتها الأكثر هشاشة وتفككًا تدور الرواية
حول شخصية «جيهان»، امرأة تعيش عزلة حادة فى حى قديم مهدد بالإزالة، وتدخل عبر
السرد فى دوامة من الذكريات، والهلاوس، والمواجهات النفسية والاجتماعية، فى سردية
تُعيد مساءلة الواقع من منظور ذات مأزومة، معلّقة بين الذاكرة والحاضر والانهيار.
جماليات النوع الأدبى
تنتمى الرواية إلى ما يمكن تسميته بـ«أدب الهامش النسوى»،
حيث تتقاطع عناصر الرواية النفسية، واليومية، والتجريبية. لا تُصنف الرواية ضمن
البناء الكلاسيكى للرواية، بل تقترب من تيار «رواية الذات»، مع انفتاح واضح على
كتابة «الاعتراف» و«الكتابة الشذرية»، ما يجعلها نصًا هجينًا متجاوزًا لمعيارية
النوع. هذا التداخل فى الأجناس يمنح العمل مرونة فنية تخدم رؤيته حول التهميش
والعزلة والانهيار الداخلى «كانت حركة القدمين تزداد توترا واهتزازا، كدت
أسقط على الأرض عندما تعثرت قدمى فى المنضدة القريبة وأنا أحاول أن أرفعها وأخطو خارج
المقهى. وجدتُ صديقتى تأتى مسرعة، وتمسك بيدى، وتصعد بى نحو الرصيف القريب. ثم
جلستُ على أقرب كرسى أمام باب المقهى، ودخلت هى مسرعة أحضرت حقيبتها وجلست إلى
جوارى، ثم طلبت فنجاناً كبيراً من القهوة السادة»(ص17).
.
ثانيًا:
طرائق السرد
تعتمد الرواية على «ضمير المتكلم»، مما يرسّخ سردًا داخليًا
مشبعًا بالانفعالات والهواجس، ويتقاطع مع شكل «المونولوج» و«تيار الوعى». كذلك
توظف الكاتبة «الاسترجاع الزمنى (الفلاش باك)» بوصفه آلية أساسية لبناء عالم
الشخصية. السرد فى «بعد منتصف الليل» ليس خطيًّا، بل «مفتّت زمنيًا»، حيث يتشابك
الماضى بالحاضر، والحلم بالواقع، فى حركة ترددية تعكس التشظى النفسى لبطلتها» هل
الأنوثة بعيدة عنى؟ ما هو مفهوم الأنوثة من وجهة نظر أمى؟
لم أسألها يوماً عن هذا المعنى، ولكن كنتُ أراها جميلة،
تعتنى بتفاصيل دقيقة فى جسدها، وتهتم بنفسها رغم كل شيء، كنتُ أتأملها كثيراً وهى
تضع الروج فوق شفتيها، والكحل حول عينيها، وعندما ترتدى ملابسها، كانت تتأنق بشكل
لافت للنظر. عكسى تماماً، كنتُ أرتدى ملابسى فى سرعة وفى الظلام كى لا يستيقظ
أخوتى، لا أضع المساحيق ولا أحبها، أعقص شعرى الطويل إلى الخلف، لا أنظر فى المرآة
طويلاً.»(ص23).
يتنوع السرد أيضًا بين المقاطع الوصفية المشهدية،
والمقاطع التأملية، والمقاطع الحوارية النادرة، بما يعكس «أحادية الصوت السردى»
المتكئة على سيرة الذات «قمت من مكانى وأخذت أنظر خارج النافذة علّى أتذكر تلك
الأيام البعيدة، الجو بالخارج خانقا، أغلقت النافذة وعدت بخطوات متعبة تجاه
المكتب، ثم تركته واتجهت نحو الكنبة الكنزة الضيقة التى لا تسع اثنين، أخذت أنظر
بعيدا بعيدا؛ لعلى أجد مخرجا من هذا الأرق والحزن بلا سب محدد وواضح، أمد يدى أضئ
الأباجورة الموضوعة على المنضدة بجوار الكنبة الصغيرة، رغم أن الجو نهارا، إلا أن
الزجاج الأزرق يحجب الضوء عن الحجرة، أحاول تذكر أشياء بعيدة وغريبة ولأول مرة
افكر فيها، أين ذهبت تلك الإبتسامة الغامضة التى كانت تشبه ابتسامة الموناليزا؟
نظرت ثانية نحو الصورة التى فى يدى، وأخذت أمعن النظر فى (التيشرت) المقلم أخضر
وأسود بخطوط عريضة، يا الله أين اختفى هذا الجمال الهادئ؟»(ص49).
بناء الشخصيات
الشخصية المحورية هى «جيهان»، شخصية أنثوية معقدة ومأزومة،
تحمل ذاكرة مثقلة بالعائلة والفقد والعجز الجسدى والوحدة. وتُبنى الشخصية من خلال
وعيها الخاص، وليس من خلال منظورات خارجية، ما يجعلها عرضة لتقلبات النفس وتراكم
الخيبات واللايقين.
تُرسم الشخصيات الأخرى (كالأم، سوزان، الرجلين، الصبية،
المتشردين، الطفل، المرأة النحيلة) من منظور جيهان فقط، ما يجعلها تظهر ككائنات
«رمزية» أو «ظلال نفسية»، أكثر من كونها شخصيات واقعية متكاملة.
وتبدو جيهان شخصيةً تقف على تخوم التهويم والفصام، ضائعة
بين الهوية والأنوثة والكتابة والأمومة الغائبة، مما يُكسب الرواية بعدًا
سيكولوجيًا كثيفًا.
فلسفة الزمن
والكرونوتوب
الزمن فى الرواية ليس مجرد إطار للحكى، بل مكوّن جوهرى
للرؤية السردية. فالزمن «دائرى ومهشم»، يتكرر، وينكسر، ويتحول إلى سلسلة من
الاستدعاءات الفوضوية والمرايا المتقابلة. يظهر ذلك فى تكرار مشاهد مثل: القارب،
المقهى، البيت، السلم، النافذة، والخرابة، بوصفها «كرونوتوبات» يتعالق فيها الزمان
والمكان ويتفاعلان؛ مما يعيد إنتاج العزلة والخوف والتشظى «للمرة الثالثة تأتى سوزان
على التوالى فى أسبوع واحد تقريبا.
كانت تأتى يوما ويوم. وفى كل مرة أسالها كيف جاءت إلى
هنا بكل سهولة، وتخطت كل العقبات التى أراها فى أول الشارع...يا حبيبتى منطقتى،
ولا نسيتى طنط هدى أم جمال، وبعدين لا يوجد فى الشارع شيء مما تحكيه لى فى
كل مرة.
لا توجد خرابة بها متشردين، ولا يقع جامع مهدم بجوار
البيت، ولا يقف على الناصية صبية مشردين، حتى المرأة النحيفة التى حكيتى لى عنها
فى مراتك السابقة غير موجودة. هذا وهم كل شيء موجود فى رأسك أنتِ. ثم تضحك ساخرة
وبكل قوة: جيجى حبيبتى ما رأيك أن ننزل سويا إلى الشارع ونرى ما تحكين لى عنه»(ص58).
الزمن فى «بعد منتصف الليل» هو زمن «التحلل"، ليس
فقط زمنيًا بل وجوديًا: جسد الشخصية يتحلل ويتآكل، المدينة تنهار، المجتمع يتخلى،
والبيت يُهدم. كل هذا يجعل من الزمن بنية سردية مرآوية تعكس انهيار الذات والعالم.
اللغة السردية
لغة الرواية لغة «داخلية/إيحائية»، تتراوح بين التقريرية فى
اللحظات الواقعية، وبين الشعرية الكثيفة فى لحظات التهويم والبوح. الكاتبة تستخدم
تعبيرات عادية محكية أحيانًا (مثل «يا قطة»، «جيجى»، «والنبى ده وقته؟»)، ما يمنح
السرد «حيوية شعبية»، لكنها تعود فى مقاطع أخرى إلى لغة تأملية تقترب من الشعر
النثرى.
اللغة تصبح أحيانًا «راوية ثانية»، تصف ما تعجز الشخصية
عن الإفضاء به. ويمتزج خطاب المرأة والجسد والمدينة والفقد والمرض، فى لغة متعددة
الأصوات والدلالات.
البناء
السردى العام
الرواية مبنية على «بنية دائرية مفتوحة»، تبدأ وتنتهى فى
نقطة الحصار: البيت، العجز، المراقبة من النافذة، هجوم المتشردين، وتخلى الدولة.
هناك تكرار سردى للموت والانحدار، وانعدام التقدم أو التحول. الشخصية لا تتطور بل
تتقشر، وهذا ما يجعل الرواية أقرب إلى بنية (المأساة اليومية الصامتة)، حيث لا
نهاية ولا ذروة ولا خلاص، بل إيقاع متكرر من التآكل والخوف والانكشاف.
الرواية أيضًا تتضمن «تقنية اللقطة الطويلة
(long take)» فى سرد مشاهد كاملة بتفاصيل دقيقة دون
انقطاع، خصوصًا مشهد المقهى والمركب، ما يخلق «إيهامًا سينمائيًا» يتوافق مع
الطابع البصرى لنهاية الرواية (صور على التلفاز، ريلز، نشرات الأخبار).
«بعد منتصف الليل» رواية مشغولة بالأنوثة المهمشة،
بالزمن المعطوب، وبالمدينة التى تفقد ملامحها كما تفقد المرأة جسدها وصوتها. رواية
تكتب الحطام والهشاشة بعين لا ترثى بل تُحاكى. إنها كتابة من داخل الحصار، لا تبحث
عن الحل، بل تضعنا وجهًا لوجه مع الخوف والعبث والقلق من دون أقنعة. عمل يرسّخ
حضور صفاء عبد المنعم كصوت سردى مميز، يمارس الحفر فى طبقات الذات والمدينة بلغة
تلامس قاع الإنسان فى هشاشته القصوى.
