الأربعاء، 26 نوفمبر 2025

 


د. هويدا صالح

دراسة في رواية بعد منتصف الليل

 للكاتبة صفاء عبد المنعم

 صدرت عن دار إضاءات عام 2025  

تأتى رواية «بعد منتصف الليل»، الصادرة عن دار إضاءات للنشر والتوزيع، للكاتبة صفاء عبد المنعم بوصفها عملاً أدبيًا متجاوزًا للحدود التقليدية للرواية الواقعية، منفتحًا على آفاق التجريب السردى، وتفكيك البنية الزمنية، واستبطان الذات الأنثوية فى لحظاتها الأكثر هشاشة وتفككًا تدور الرواية حول شخصية «جيهان»، امرأة تعيش عزلة حادة فى حى قديم مهدد بالإزالة، وتدخل عبر السرد فى دوامة من الذكريات، والهلاوس، والمواجهات النفسية والاجتماعية، فى سردية تُعيد مساءلة الواقع من منظور ذات مأزومة، معلّقة بين الذاكرة والحاضر والانهيار.

جماليات النوع الأدبى

تنتمى الرواية إلى ما يمكن تسميته بـ«أدب الهامش النسوى»، حيث تتقاطع عناصر الرواية النفسية، واليومية، والتجريبية. لا تُصنف الرواية ضمن البناء الكلاسيكى للرواية، بل تقترب من تيار «رواية الذات»، مع انفتاح واضح على كتابة «الاعتراف» و«الكتابة الشذرية»، ما يجعلها نصًا هجينًا متجاوزًا لمعيارية النوع. هذا التداخل فى الأجناس يمنح العمل مرونة فنية تخدم رؤيته حول التهميش والعزلة والانهيار الداخلى  «كانت حركة القدمين تزداد توترا واهتزازا، كدت أسقط على الأرض عندما تعثرت قدمى فى المنضدة القريبة وأنا أحاول أن أرفعها وأخطو خارج المقهى. وجدتُ صديقتى تأتى مسرعة، وتمسك بيدى، وتصعد بى نحو الرصيف القريب. ثم جلستُ على أقرب كرسى أمام باب المقهى، ودخلت هى مسرعة أحضرت حقيبتها وجلست إلى جوارى، ثم طلبت فنجاناً كبيراً من القهوة السادة»(ص17).
.

ثانيًا: طرائق السرد

تعتمد الرواية على «ضمير المتكلم»، مما يرسّخ سردًا داخليًا مشبعًا بالانفعالات والهواجس، ويتقاطع مع شكل «المونولوج» و«تيار الوعى». كذلك توظف الكاتبة «الاسترجاع الزمنى (الفلاش باك)» بوصفه آلية أساسية لبناء عالم الشخصية. السرد فى «بعد منتصف الليل» ليس خطيًّا، بل «مفتّت زمنيًا»، حيث يتشابك الماضى بالحاضر، والحلم بالواقع، فى حركة ترددية تعكس التشظى النفسى لبطلتها» هل الأنوثة بعيدة عنى؟ ما هو مفهوم الأنوثة من وجهة نظر أمى؟

لم أسألها يوماً عن هذا المعنى، ولكن كنتُ أراها جميلة، تعتنى بتفاصيل دقيقة فى جسدها، وتهتم بنفسها رغم كل شيء، كنتُ أتأملها كثيراً وهى تضع الروج فوق شفتيها، والكحل حول عينيها، وعندما ترتدى ملابسها، كانت تتأنق بشكل لافت للنظر. عكسى تماماً، كنتُ أرتدى ملابسى فى سرعة وفى الظلام كى لا يستيقظ أخوتى، لا أضع المساحيق ولا أحبها، أعقص شعرى الطويل إلى الخلف، لا أنظر فى المرآة طويلاً.»(ص23).

يتنوع السرد أيضًا بين المقاطع الوصفية المشهدية، والمقاطع التأملية، والمقاطع الحوارية النادرة، بما يعكس «أحادية الصوت السردى» المتكئة على سيرة الذات «قمت من مكانى وأخذت أنظر خارج النافذة علّى أتذكر تلك الأيام البعيدة، الجو بالخارج خانقا، أغلقت النافذة وعدت بخطوات متعبة تجاه المكتب، ثم تركته واتجهت نحو الكنبة الكنزة الضيقة التى لا تسع اثنين، أخذت أنظر بعيدا بعيدا؛ لعلى أجد مخرجا من هذا الأرق والحزن بلا سب محدد وواضح، أمد يدى أضئ الأباجورة الموضوعة على المنضدة بجوار الكنبة الصغيرة، رغم أن الجو نهارا، إلا أن الزجاج الأزرق يحجب الضوء عن الحجرة، أحاول تذكر أشياء بعيدة وغريبة ولأول مرة افكر فيها، أين ذهبت تلك الإبتسامة الغامضة التى كانت تشبه ابتسامة الموناليزا؟ نظرت ثانية نحو الصورة التى فى يدى، وأخذت أمعن النظر فى (التيشرت) المقلم أخضر وأسود بخطوط عريضة، يا الله أين اختفى هذا الجمال الهادئ؟»(ص49).

 
بناء الشخصيات

الشخصية المحورية هى «جيهان»، شخصية أنثوية معقدة ومأزومة، تحمل ذاكرة مثقلة بالعائلة والفقد والعجز الجسدى والوحدة. وتُبنى الشخصية من خلال وعيها الخاص، وليس من خلال منظورات خارجية، ما يجعلها عرضة لتقلبات النفس وتراكم الخيبات واللايقين.

تُرسم الشخصيات الأخرى (كالأم، سوزان، الرجلين، الصبية، المتشردين، الطفل، المرأة النحيلة) من منظور جيهان فقط، ما يجعلها تظهر ككائنات «رمزية» أو «ظلال نفسية»، أكثر من كونها شخصيات واقعية متكاملة.

وتبدو جيهان شخصيةً تقف على تخوم التهويم والفصام، ضائعة بين الهوية والأنوثة والكتابة والأمومة الغائبة، مما يُكسب الرواية بعدًا سيكولوجيًا كثيفًا.

فلسفة الزمن والكرونوتوب

الزمن فى الرواية ليس مجرد إطار للحكى، بل مكوّن جوهرى للرؤية السردية. فالزمن «دائرى ومهشم»، يتكرر، وينكسر، ويتحول إلى سلسلة من الاستدعاءات الفوضوية والمرايا المتقابلة. يظهر ذلك فى تكرار مشاهد مثل: القارب، المقهى، البيت، السلم، النافذة، والخرابة، بوصفها «كرونوتوبات» يتعالق فيها الزمان والمكان ويتفاعلان؛ مما يعيد إنتاج العزلة والخوف والتشظى «للمرة الثالثة تأتى سوزان على التوالى فى أسبوع واحد تقريبا.

كانت تأتى يوما ويوم. وفى كل مرة أسالها كيف جاءت إلى هنا بكل سهولة، وتخطت كل العقبات التى أراها فى أول الشارع...يا حبيبتى منطقتى، ولا نسيتى طنط هدى أم جمال، وبعدين لا يوجد فى الشارع شيء  مما تحكيه لى فى كل مرة.

لا توجد خرابة بها متشردين، ولا يقع جامع مهدم بجوار البيت، ولا يقف على الناصية صبية مشردين، حتى المرأة النحيفة التى حكيتى لى عنها فى مراتك السابقة غير موجودة. هذا وهم كل شيء موجود فى رأسك أنتِ. ثم تضحك ساخرة وبكل قوة: جيجى حبيبتى ما رأيك أن ننزل سويا إلى الشارع ونرى ما تحكين لى عنه»(ص58).

الزمن فى «بعد منتصف الليل» هو زمن «التحلل"، ليس فقط زمنيًا بل وجوديًا: جسد الشخصية يتحلل ويتآكل، المدينة تنهار، المجتمع يتخلى، والبيت يُهدم. كل هذا يجعل من الزمن بنية سردية مرآوية تعكس انهيار الذات والعالم.

اللغة السردية

لغة الرواية لغة «داخلية/إيحائية»، تتراوح بين التقريرية فى اللحظات الواقعية، وبين الشعرية الكثيفة فى لحظات التهويم والبوح. الكاتبة تستخدم تعبيرات عادية محكية أحيانًا (مثل «يا قطة»، «جيجى»، «والنبى ده وقته؟»)، ما يمنح السرد «حيوية شعبية»، لكنها تعود فى مقاطع أخرى إلى لغة تأملية تقترب من الشعر النثرى.

اللغة تصبح أحيانًا «راوية ثانية»، تصف ما تعجز الشخصية عن الإفضاء به. ويمتزج خطاب المرأة والجسد والمدينة والفقد والمرض، فى لغة متعددة الأصوات والدلالات.

البناء السردى العام

الرواية مبنية على «بنية دائرية مفتوحة»، تبدأ وتنتهى فى نقطة الحصار: البيت، العجز، المراقبة من النافذة، هجوم المتشردين، وتخلى الدولة. هناك تكرار سردى للموت والانحدار، وانعدام التقدم أو التحول. الشخصية لا تتطور بل تتقشر، وهذا ما يجعل الرواية أقرب إلى بنية (المأساة اليومية الصامتة)، حيث لا نهاية ولا ذروة ولا خلاص، بل إيقاع متكرر من التآكل والخوف والانكشاف.

الرواية أيضًا تتضمن «تقنية اللقطة الطويلة (long take)» فى سرد مشاهد كاملة بتفاصيل دقيقة دون انقطاع، خصوصًا مشهد المقهى والمركب، ما يخلق «إيهامًا سينمائيًا» يتوافق مع الطابع البصرى لنهاية الرواية (صور على التلفاز، ريلز، نشرات الأخبار).

«بعد منتصف الليل» رواية مشغولة بالأنوثة المهمشة، بالزمن المعطوب، وبالمدينة التى تفقد ملامحها كما تفقد المرأة جسدها وصوتها. رواية تكتب الحطام والهشاشة بعين لا ترثى بل تُحاكى. إنها كتابة من داخل الحصار، لا تبحث عن الحل، بل تضعنا وجهًا لوجه مع الخوف والعبث والقلق من دون أقنعة. عمل يرسّخ حضور صفاء عبد المنعم كصوت سردى مميز، يمارس الحفر فى طبقات الذات والمدينة بلغة تلامس قاع الإنسان فى هشاشته القصوى.

الاثنين، 13 أكتوبر 2025

قصة فأل سئ

 فأل سئ

لا أعرف بالضبط ماذا حدث لي؟

منذ ليلة أمس وأنا تنتابني حالة من العراك والغضب الزائد، لقد ألغيت لقاءً كان مهما بالنسبة لي في العمل!

منذ ليلة أمس وأنا في حالة غضب وعزلة، منذ رأيت عينيها الدامعتين وهى تشكو لي من هجر وحيدها لها.

وحيدها الذي أكتفت به عن الدنيا، بعد هجر الب لها، قالت وعيناها مليئة بالدموع: العوض على الله، في تعبي وشقيا وسهري طول السنين.

جملة كانت صادرة من قلب أم موجوع، لقد وصلني الوجع وصب في قلبي.

تعاطفت معها لدرجة التوحد في الألم.

صمتُ ولم أقل لها شيئا.

كل ما فعلته، أنني نظرتُ نحوها بهدوء شديد وهى تمسح بظهر يدها دمعة حزينة سقطت فجأة على وجهها.

هذه الدمعة!

سقطت في قلبي فأوجعتني كثيراً.

خرجت من المكان، وأنا أحمل غضباً، وألماً، وكرهاً، وبغضاً لهذا العالم.

الذي لم يتجمل من أجل أم وحيدة.

وأنا أضع يدي على الباب عند الخروج، كنتُ أريد أن أأخذ الحزن معي، والدمعات، والآهات، وأرتك لها ولو بسمة صغيرة تحمل أملاً مجهولآ أو حنينا مضاعفا.

ولكنني خرجت في صمت، وأنا أهبط درجات السلم في هدوء وألم إلى الشارع.

------------------------------------------------------------------------------

قصة يا مسافر وحدك

 

يا مسافر وحدك  

 

ترقص وتطوح بيديها في الهواء عاليا.

على صوت (غالية بن عالي) وهى تغني (يا مسافر وحدك وفايتني..)

عزف الساكس المندمج داخل اللحن بوضوح، يعطي طابعا مختلفا تماما عن موسيقى ولحن عبد الوهاب الأصلي للأغنية.

تمنيتُ لحظتها أن أقف إلى جوارها وأطوح ذراعي عاليا في محاولة للرقص والنشوى، ولكن طبيعتي الخجولة المتحفظة حرمتني من فكرة المحاولة.

الحقيقة هو ليس الخجل ما منعني، ولكن الفكرة في حد ذاتها وهى أنني لا أعرف الرقص.

 الرقص كان بالنسبة لي في بيتنا يندرج تحت سقف المحرمات والعيب.

وطنين التحذيرات يملأني (الرقص عيب، بطلي مياصة)، مع أنني لا أملك جسد راقص ولا قوام ممشوق، ولكنني كنت أرى البنات بين الحصص يرقصن مثل فراشات طائرة داخل الفصل.

ودائما كنتُ أقف لهن خلف الباب، أسده بظهري كي نشعر بقرب المدرس إذا قام بزق الباب لفتحه.

فتجري البنات مسرعات يجلسن في هدوء، وأنا أفتح الباب بكل ثقة وأضحك في هدوء.

 فيطمأن المدرس أن الفصل تمام، وأن الأصوات العالية لم تكن من هنا.

أجلس في صمت.

 والبنات يكتمن الضحك، وينظرن نحوي وهن يهمسن في هدوء وبصوت خفيض : شاطرة.

شكرا للشويش عطية.

فعلا تنطبق علي فكرة الشويش عطية.

أكظم غيظي بداخلي وأنا أريد أن أصرخ فيهن.

 لماذا أنتن فرحات، منتشيات، ترقصن في حبوروسعادة وأنا لا؟

ولماذا أنا الوحيدة التي تقف خلف الباب بأستمرار وتسده بظهرها؟

وتأتي إلى رأسي أصوات عالية ومحذرة ومنفره (الرقص عيب) البنات المؤدبة تقول حاضر وتسمع الكلام.

في أفراح بنات الجارات.

 كنتُ أذهب مع أمي، كنتُ أراها ترقص وتغني وتزغرد لهن، بصوت جميل، وأنا جالسة في صمت، أتابع بعيني حركات أهتزاز الأجساد في الرقص والنشوى والحبور والفرح والغناء.

وإذا قررت إحدى الجارات أن تمسك يدي وتدخلني داخل الدائرة وسط البنات كي أرقص معهن.

كنتُ أبعد يدها بسرعة وأجلس في مكاني، والأصوات العالية المزعجة تملأني (الرقص عيب).

أعود مسرعة إلى البيت.

 أترك أمي لنشوتها وحبورها مع الجارات، أدخل حجرتي أغلق الباب خلفي، وأذهب في حالة من البكاء الشديد.

يأتي أبي ويسألني من الخارج : أمك فين؟

أجيب في هدوء وأنا أفتح الباب خارجة : ماما في الفرح.

يخلع حذاءه، ويجلس على الكرسي، ثم يضحك وهو يهز رأسه : أعملي لي كوباية شاي يا قطة.

أدخل المطبخ، اسمع صوت عبد الوهاب عند الجيران يشدو عليا : يا مسافر وحدك، يا مسافر وحدك وفايتني، ليه تبعد عني وتشغلني.

حينما أنتهت الأغنية وأغلقت – أبنتي -  صوت المغنية.

 سألتها بهدوء شديد : مين المغنية دي يا قطة؟

 ترد علي بفتور بعد أن تعبت من الرقص : دي غالية بن عالي.

أضحك في مرارة : صوتها حلو.

بس عبد الوهاب أحلى.

تغضب أبنتي وتقوم واقفة : يا شيخة حرام عليكي،

دا كفاية صوت الساكس وموسيقي الجاز.

أصمت وأنا أستعيد في رأسي صوت عبد الوهاب الشجي وهو يشدو : يا مسافر وحدك.

وأبي يشرب من كوب الشاي في نشوة وهدوء مفرط.

-----------------------------------

 

 

الأحد، 12 أكتوبر 2025

قصة علبتان كانز من درينكيز

 

علبتان كانز من درينكيز

 

(كنت بشتاق لك وأنتِ هنا، بيني وبينك خطوتين، خطوتين..).

لم تكن تدرك أن طعم الشعير الحامض يوازي طعم المشروب المثلج الطازج.

هى كانت لا تدرك التفرقة.

لكنها تجيد الفعل.

عندما هبطت سريعا من الباص أمام محل درينكيز، دخلت مسرعة دون تفكير، فتحت الثلاجة المدهشةبكافة المشروبات، ومدت يدها دون روية، دون تفكير، وأخذت علبتين كبيرتين من مشروب الشعير المفضل لديها.

وهى أمام الخزنة، تدفع مبلغا كبيرا، سألت البائع بتعال وهو يضع العبوتين داخل كيس بلاستيكي أسود.

ضحكت : طبعا دي مصرية.

هز البائع رأسه ضاحكا : مصرية ميه ميه.

أخذت الكيس وخرجت.

وهى تمني نفسها بسهرة سعيدة.

نظرت حولها.

رأت النيل (حابي) الحبيب، العاشق المتيم بها.

قالت داخل نفسها : تمام، برافو.

لقد عرفت أن الإله القديم يناديها.

فجلست على شاطئه تعيد الذكريات القديمة، وهى تحتسي المشروب المثلج وتنتشي، تنتشي.

إلى أن جاء صوتا بعيدا من باخرة تقترب وتتهادى على صفحة النيل.

(والعمل إيه العمل، ما تقولي أعمل إيه؟).

ظل الصوت يقترب، ويقترب، ويقترب، حتى اصبحت الباخرة أمامها تماما.

كانت هى قد تجرعت العبوتين، وقذفت بكامل ملابسها داخل النيل الحبيب.

والصوت مازال يتهدد ويتهادى، والباخرة تسير بهدوء شديد نحو الأمام.

في هذه المرة كان صوت عبد الحليم آتيا (شوف بقينا فين يا قلبي، وهى راحت فين).

-------------------------------------------------------------------------- 

 

قصة شيكولاتة بيضاء

 

شيكولاتة بيضاء

 

هى لم تكن تعرف أن هناك في مخبئ سري، علبة بينك سوليفان بداخلها شيكولاتة ) ) بيضاء.LinDOR(

أخذتها ووضعتها في فمها، فشعرت كأن السماء فتحت أبوابها المغلقة.

رأت بحراً كبيرا بداخله أمواج تهدر بعنف.

وطائر أبيض وحيد، يطير بعيداً.

هى لم تصدق كل ذلك، وضحكت داخل نفسها : هل طعم الشيكولاتة فعل ذلك.

أغلقت الباب، وجلست تنظر نحو البحر الذي ظهر فجأة في مكان لا يمكن له أن يوجد به بحر.

وعندما نظرت من النافذة ثانية..

رأت الطائر الأبيض يأتي ويقف على النافذة بجوار وجهها.

بجوار وجهها تماما.

لم تخف.

ولم ترتعد.

نظرت في عينيه عميقا وسألته بهدوء شديد : لماذا أنتَ هنا الآن يا صديقي؟

هل آن الأوان كي أرحل معك؟

رفرف الطائر بجناحيه، رفرفة قوية ثم طار قبل أن يجيب عن سؤالها.

نظرت بعمق نحو البحر، وجدته قد أصبح هادئا جميلا.

فعرفت أن الرسالة تقول لها : أهدائي يا صديقتي، لم يات دورك بعد.

أغلقت النافذة، وجلست خلفها تبكي بعمق.

بعمق شديد.

----------------------------------------------------------------------

 

 

 

الجمعة، 15 أغسطس 2025

قصة قصيرة (عزيزي أصلان)

 

عزيزى أصلان

   

الآن وللمرة الثانية انتهى من وردية ليل .

لم يكن يشغل بالى سوى العم بيومى وهو يرفع وجهه ( أول دور مش تانى دور ) جملة ذكرتنى بمشهد موت العم مجاهد والشيخ حسنى يجره فوق عربة الفول ، وضبابية الفجر خلفهما .

أفق يفتح على أننا سوف ندفع تجاهه ، واليوم ليس معى مليم ، أرسل به برقية إليك ، أهنئك على روايتك التى أخيرا قرأتها .

" ياه صعب قوى "

الليلة ، أرتدى التيير الأخضر ، والحذاء الشمواة الأخضر ، أكور يدىّ ، وأنفخ فيها نفسا دافئا ، والبنايات العالية تتضخم أمام عينى فى شارع قصر النيل .

" ياه مجدى وحشنى قوى "

لى مقهى زهرة البستان ، كانا صامتين ، ويدخنان بشراهة وعدم أكتراث ، استدارا بوجهيهما ناحيتى .

كان لحق يوحشك .

أسكت أنت ياياسر .

ليك وحشة كبيرة قوى يايوسف ، تيجو نمشى ، لحسن البستانفاضى وممل .

سرنا أنا وياسر الزيات ، ويوسف النجار ، البرد يفجؤنا ، والشوارع خالية ، نكور أيدينا ، وننفخ فيها ، أنفخ بشدة ، وأجرى بينهما .

تعرفوا ..

الشرب فى الجو ده لذيذ .

يابنت المجنونة .

أهدى .

يوه يايوسف ، أصل مجدى له وحشه .

دا عشان أول مرة .

تعالوا نرجع القهوة .

سينما قصر النيل تعرض فيلم ( العسكرى الأزرق ) قلة يدخلون ، لمحنا سليمان يقف خلف بنت سمراء ، تنظر إلى أفيشات العرض ، بفستان تيل سادة ، ندهنا فى نفس واحد :

ياسليمان ..

استدار بارتباك ناحيتنا .

أهلا

أنا كنت فى وردية وراجع .

شفتوا أصلان .

تلاقيه ع القهوة .

أقترب يوسف .

تعرف ياسليمان ..

أنا كنت هناك ع القهوة .

شفت أصلان وشحاتة ، وناس كتير عاملين زينا ، واحنا بنشرب غزازتين البيرة الساقعة ، فى كشك الخواجة على حساب سليمان الصايغ .

وبنضحك عيه وعلى روايح .

اقترب سليمان وسرنا .

ياه يايوسف ، تعرف قبل ما أجى عديت على إبراهيم فهمى صاحبنا ، اللى معايا فى الشغل ، فتحت عليه الوضة ، لقيته ممدد على الأرض حزين ، ومركون على جنب وميت .

سبته زى ماهو وجريت .

معرفش إيه اللى ودانى السيما وقابلتها ، لابسه فستان تيل ولمة شعرها .

جت جنبى وطلبت .. ولما شدتها ، رفضت تخرج للشارع ، همست فى ودنى ( أنا ما بروحش بيوت )

... توقفنا عن السير ، كانت أندهاشة يوسف النجار أوسع من ان ندركها ، ظل صامتا ، ثم فاجأنا .

حاسس إنى هاموت زى العم مجاهد وحدى ، إمبارح أم روايح ماتت على روحها من الضحك وهى بتقوللى : يوه يااستاذ يوسف ، لسك لوحدك !

منور .

ومدت إيدها تحت منها وهرشت وهيه ..بتضحك .

أنا كنت بحب فاطمة وهجوزها .

     الليل يشعرنا بالوحدة ، وقسوة الشارع ، وهو يصفر حولنا ، جعلت وجوهنا أكثر حميمية واقل توترا .

خلاص أنا تعبت .

ومترو النفاق خلص .

تعالو نرجع .

خلاص نسيتى ؟

لأ

أنا عايزة اشرب .

" على بابا " مكان ضيق وكئيب ، ومبنى الجامعة الأمريكية يقف أمامنا شامخا فى وحشة .

أزايز البيرة عملت جو .

يعنى المخزن مش أحسن .

يوه ياياسر كفاية شرب .

أنت بالذات تسكتى .

فاكر يايوسف مشهد الهرم لما زنقة الشيخ حسنى فى الحمام .

أنا ساعتها مت من الضحك .. والسيما هاجت .

المشهد اللى معشش جوايا بجد ، مشهد يوسف وهو متمدد ونايم والقارب على وش المية .

طول عمرى بحلم بالمشهد ده .

مية ، وأنا نايم على ضهرى ، وانا .. وواحد .. واحد جميل .. جميل قوى ، بنمارس جنس .

من غير مركب .

من غير مركب .

عريانة .

يابنت المجنونة .

الله يخرب بيتكم .

البيرة دى هايلة .

                                                   مايو 1994

                                                       (من مجموعة أشياء صغيرة وأليفة )

                                                                        صدرت عام 1996 

                                                                       سلسلة أصوات أدبية 

                                                                    الهيئة العامة لقصور الثقافة  

                         *************************************

 

 

  د. هويدا صالح دراسة في رواية بعد منتصف الليل   للكاتبة صفاء عبد المنعم   صدرت عن دار إضاءات عام 2025   تأتى رواية «بعد منتصف الليل...

المتابعون