الجمعة، 18 يوليو 2025

كتاب داية وماشطة

 (مقدمة  ثانية)

مع أنتشار مهنة الطب والوعى الصحى بين النساء فى المدينة والقرية ، وانتشار الوحدات الصحية التى تقدم خدماتها للنساء ، بدأت تختفى أو تتقلص مهنة ( الداية ) وهى التى كانت تقوم بتوليد السيدات فى البيوت إلى جانب طهارة البنات ، بالأضافة إلى أنها كانت أحيانا فى بعض الأماكن والمناطق الشعبية ، تلعب دور الوسيط فى زواج البنات  ، وهذا نادرا ، لأنه هناك( الخاطبة ) وأحيانا تكون ( الدلالة ) التى تقوم ببيع الملابس والأقمشة .

وهناك كذلك ( الماشطة ) أو( النتافة ، الحفافة أو المحففة) وهى التى تقوم بتمشيط وتزويق العروس وأزالة الشعر لديهن فى ليلة الحنة .

ومع أنتشار الأزمات الأقتصادية وخروج النساء الفقيرات للعمل ، تنتشر الأعمال والحرف اليدوية الصغيرة ( داية – ماشطة - خاطبة – دلالة – غًسالة – مِغسلة – نَدابة – معددة – ضاربة الودع ...الخ ) وهى  المهن التى لا تحتاج صنعة، ولكن تحتاج مهارة وقدرات خاصة تتوفر فى المرأة وتتيح لها دخول المنازل فى المدينة أو القرية ، كل هذه الأدوار تقوم بها المرأة داخل البيوت وخارجها ، وربما تكون حاملة لبعض الأسرار ، والوعى الشعبى أيضا ، فهى تمارسه ، ولا يوجد لديها إنفصال بين المعرفة والممارسة، فهى لم تحظى بالتعليم الذى يصنع مسافة مع الوعى.

          وكان الدور المنوط به المرأة هو العمل داخل البيت لراحة الزوج وتربية الأولاد ، فكان لا بد لها من إجادة الحرف النسوية مثل ( الخياطة – التطريز – الطبيخ – الغسيل ...الخ ) وكلها حرف لا تحتاج لأعمال الفكر ولكنها تعتمد على القوة البدنية وبعض الفنون البسيطة .

وفى القرية كان يتم أحيانا أختيار البنت للزواج لشطارتها فى ( الخبيز – وصناعة الجبن والزبد وتربية الدواجن ) .

وكانت البنت تتزوج لسيرة أمها الحسنة وشطارتها ، حسب المثل الشعبى ( أكفى القدرة على فمها تطلع البنت لأمها ) أو لثراء العائلة . وظلت العادات والتقاليد والأعراف تتناقل من الجدات إلى الأمهات ، جيل بعد جيل ، وحاملة آليات الحكى والسرد الشعبى هى المرأة، فكما يقول د "محمد أفاية" المرأة تحمل أليات قهرها .

فنلاحظ دائما أن المرأة أشد قسوة وقهرها للمرأة الأخرى أكثر من الرجل ويتضح ذلك فى شخصية ( الحماة – الضرة – السلفة – زوجة الأب – الجدة – العمة – أخت الزوج ) وهناك أمثلة شعبية كثيرة عن هذه الشخصيات وكيف تصفها الجماعة الشعبية مما لها من قسوة وقوة قاهرة فمثلا عن زوجة الأب ( زوجة الأب خُدها يارب - الضُرة مرة ، الحماة حُمة – مركب الضراير سارت ، ومركب السلايف غارت ، جوز لاتنين يقادر يافاجر ،اللى خادته القرعه ، تخده أم الشعور ..إلخ) وغيرها من الأمثال العديدة التى لا حصر لها .

وتوارثت هذه الأليات وعملت أحيانا على نهضة المجتمع، وأحيانا على تراجعه ، وعندما ذادت نسبة التعليم ، أصبح هناك مسافة بين الموروث الشفاهى والشخصية المتعلمة ، ومع زيادة زحف الفكر الوهابى الدينى وألياته ،أصبح يناهض العادات والتقاليد، ويحرمها ،ويحل محلها العادات الصحراوية، والثقافة البدوية الوافدة ، فبدلا من السبوع الشعبى المصرى بكل طقوسة ، أصبح هناك " العقيقة " وغيرها ، وهناك  وللأسف الشديد بدأ ينجذب كثيرون نحو هذه الثقافة البداوية ، بحجة أنها هى الصح ،وما كان يمارس قديما هو تخلف ، وهذا من منظور دينى سلفى ضيق ، دون النظر الدقيق للدور الهدام الذى تقوم به هذه الثقافة الوافدة من بيئة وثقافة مختلفة على تفكير الشعب المصرى ولغته العامية أيضا ، الثقافة الشعبية المتوارثة منذ آلاف السنين دخلت فى نسيج الحياة اليومية . ولقد لاحظت أثناء الجمع وبرغم الصعوبات التى واجهاتنى ، أنه يوجد تشابها كبيرا بين معظم العادات على أختلاف الأماكن ، فالأختلاف يكون فى تفاصيل صغيرة ، ولكن الجوهر الحقيقى ثابت ، فمثلا عندما قمت بالجمع من أسرة مسيحية ، أكتشفت أن ليلة الحنة تتشابه فى التفاصيل ، وكذلك النقطة لأنها عادة مصرية تمثل التكافل الأجتماعى وليس لها علاقة بالدين بشكل مباشر ، فقد قال لى راوى وهو مسيحى : أنا يوم الحنة أصرت عمتى أنى أتحنى ، ويومها جاء رجل إلى البيت ومعه ميكريفون وجلس يجمع النقوط ،منذ الصباح ، فكان يقول محمد محمود نقط بخمسين جنيه ، وخمسة جنيه لخيره ، وجرجس تضاروس نقط بستين جنية وعشرة جنية لخيره وهكذا، كلما وضع أحدا نقطة فى الطبق أعطاه هو الأخر نقطة ، والنقطة عندنا يأخذها العريس أو والده حسب الأتفاق بينهما ومن تكفل بمصاريف الفرح ، ومعنى ذلك أنه دفع النقطة وفوقها خمسة جنيهات لجامعها أيضا ، وقال لى أن الحلاق ينقط ، والطباخ بعد الأكل الناس كانت تعطى له بعض النقود ، ويوم السبوع يتم رمى الخلاص فى البحر ، والوالدة تخطى على المولود داخل الغربال سبع مرات ،ويتم رش الملح والبخور وأعطاء الأطفال الحلوى ، ويتم تدحريج الغربال مثل العجلة فى البيت ، والأم تنزل بالمولود السلم والأطفال ورائها يغنون : سموا المولود سعد الله ، وعيونه السود سعد الله ، والداية ترش الملح وتزغرد ، وكذلك بعد الوفاة بثلاثة أيام يتم غسل ملابس الميت ، وتوزيعها على الفقراء ،ونحضر القسيس إلى البيت للترتيل وتبخير مكان صعود روح المتوفى ، وأهله لايطبخون أى طعام ، الأكل يأتى من عند الجيران والأهل ، وفى اليوم الثالث يتم عمل أكلة سمك ويأكل منها الجميع ، ومعرفش ليه سمك بالذات ؟ وهكذا إذا سردنا معظم العادات لوجدناها تتشابه بين المسلمين والمسحيين فهى ثقافة شعب عاش فى مكان واحد وأصل الجذر منذ القدم واحد والتاريخ واحد،ولكن الأختلاف فى بعض التفاصيل البسيطة والتى لا تشكل أى خطر على العادة فى أصلها ، فمعنى هذا أن العادات والتقاليد داخل نسيج الشعب الواحد تتشابه بعيدا عن الأعتقاد الدينى .

ومن خلال هذه المفارقة الحضارية ونحن على أعتاب أندثار ثقافة نيلية طينية سوداء زراعية ، لصالح ثقافة بدوية صحراوية ، وقصة الحرب بين الأله أوزير أله الزراعة، والأله ست إله الصحراء  تعود من جديد .

"فالشعب الذى يفقد عاداته وتقاليده يفقد هويته "

صفاء عبد المنعم

القاهرة 2012

 

كتاب داة وماشطة

 

داية وماشطة

(عادات وتقاليد)

جمع ميدانى وأعداد / صفاء عبد المنعم

تاريخ الجمع من 2000 إلى 2012

" التجارب المختلفة لا تجعل أحداً أكثر أهمية من الآخر ."

" والشعب الذى يفقد عاداته وتقاليده يفقد هويته

الثقافة الشعبية (مقدمة)

للكاتبة / صفاء عبد المنعم

     للشعب المصرى عاداته وتقاليده المختلفة والعديدة والمتجددة ، فى كل مجال من مجالات الحياة ، ولو تتبعنا ذلك لوجدنا أنه كان يمارس الكثير منها فى اليوم الواحد بشكل تلقائى وطبيعى ، دون الرجوع إلى معاجم أو قواميس لمعرفة أهمية ومدلول ما يقوم به يوميا بشكل واعى أو غير مدرك لمسميات بعينها ، ودون تأويل أو تحريف لمسمى لفظى .

فكانت الجدات والأمهات السابقات يدركن كل شاردة وواردة من هذه التصرفات اليومية ، فهن محملات بوعى شفاهى ، تورثناه جيلا بعد جيل .

وربما نكون نحن آخر جيل ( الستينات) عاش الكثير من هذه العادات والتقاليد ، وكذلك المعتقدات الشعبية ماظهر منها وتجلا فى صورة اليومية ، فمثلا وإلى اليوم مازال البعض يحرص على عدم دخول المرحاض والغناء فيه !

أو أن يذكر اسم الله فيه .

لأنه مكان نجس وتسكنه أرواح شريرة ، ومن يغنى فيه يصاب بداء النسيان بعد ذلك .

وعندما كانت جدتى تعطى جارتنا  طبقا أو المنخل لنخل الدقيق ، كانت تضع لها بداخله لقمة عيش ، حتى لا يدخل الطبق فارغا فهذا فأل سىء.

وعندما كان يقع الطفل على الأرض كانت أمى تجرى وترفعه بسرعة ، وهى تتفتف على الأرض وتسمى وتقول : اسم الله عليك وقعت على إللى أحسن منك .

إن الحضارة المصرية القديمة والعريقة عبر سنوات طويلة  منذ ألاف السنين ، تزخر بالعديد من العادات والتقاليد ، ونلاحظ الآن أنه هناك كل يوم جديد ، عادة تنقرض أو تختفى أو تتحول ، وتظهر عادة أخرى جديدة تحل محلها وواضح ذلك وجلى فى ظاهرة السبوع المصرى .

السبوع المصرى القديم

طوال السبع أيام منذ مولد الطفل حتى يوم السبوع ،هناك عادة أو تقليد يمارس أو معتقد ، بداية من وجود الخلاص وراء الباب ، لسمع ثلاث أذانات ثم القاءه فى ماء جارى (الترعة) كى يكون المولد رزقه كثير فى إدرار اللبن من صدر الأم ، ثم تكبيس الأم بعد الولادة للم جسمها المفتوح ، وطلب الدعاء منها للأحباب ، لأنها محاطة بالملائكة ، وشرب الحلبة بالعسل والسمن لنزول الدم الأسود ، وتنظيف الرحم ، مرورا بتكحيل الطفل فى الصباح وحمومه ، وتحضير ليلة التبيته ، الغربال  والأبريق والسبوع ( بلح أبريمى وفول سودانى وملبس وفشار ) ودق الهون والبخور والسبع حبوب والزفة والغناء( ياملح دارنا كتر عيالنا ) ودحرجة الغربال بعد ذلك ، كل هذه الطقوس وغيرها من التفاصيل الكثيرة وتسمية المولود واختيار اسم له مليئة وزاخرة .

اليوم هناك بعض العائلات أصبحت تنفى وتتعالى على ذلك وتقوم بعمل (عقيقة) وذبح الذبائح ، خروف للبنت وأثنان للولد ،و أنتفى من عندها فرحة الأطفال الصغار بأكياس الحلوى والشموع والغناء (يارب ياربنا يكبر ويبقة قدنا ، ويلعب فى الشارع زينا )، فهى لا يهمها هذا الطقس ( طقس العبور) المتوارث بحجة أن ذلك حرام شرعا ، والدين الإسلامى بعيد كل البعد عن ذلك .

ولقد بدأت الثقافة البداوية ( الصحراوية ) برمالها الصفراء المحايدة ،وأبنة البادية بعاداتها وطقوسها المختلفة عن الحضارة الزراعية النيلية ،أبنة التربة السوداء الطينية ، وتعدد الألوان والخضر ، تزحف بأفكارها الخاصة الجافة ، وتحتل وتتوغل فى نمط تفكير الشعب المصرى ، خاصة بين الكثيرين من الذين عاشوا طويلا فى بلاد الخليج ، فثقافة البترول ( النفط) تحتل مكان ثقافة ( الماء) هناك نفى لأفكار ، وتنميط  لأفكار ، وهذا مايجعل بعض الباحثين يعتقد أن ذلك تطور وتجديدا .

من منا لم يظل مستيقظا (ليلة القدر) ينظرإلى سقف الحجرة ، منتظرا طاقة النور السحرية الربانية كى يطلب منها لعبة أو بسكلته أو ينجح فى الإمتحان وينتظر المسحراتى فى ليالى الشتاء الباردة كى يفتح الشباك ويسمع المسحراتى وهو ينادى ( أصحى يانايم ، ياعباد الله وحدوا الله )وينادى على اسمه ، ويلقى له من الشباك بعض النقود الفضية ، ويسير فى الشوارع مع الأطفال عن أختفاء ( القمر ) يخبط بغطيان الحلل ويغنى ( يبنات الحور سيبوا القمر يدور ) أو يجرى فى الشارع خلف جزار ساحبا جاموسة معلق على رأسها بعض الورود ويغنون ( مندا يابكره بقرشين) ليس الكل القديم سيئا ، ولا كل ماهو جديد جميلا !

 

حتى العادات والتقاليد الخاصة بالوفاة والغسل ، والدفن  تغيرت .

أولا :منع ذهاب المرأة إلى الترب إلا فى حالات نادرة جدا ، تحريم الصريخ والصويت والشلشلة بالمنديل أو العديد على الميت .

ثانيا : ألغاء الأخمسة والرحمة والأربعين و الذكرى السنوية ،

 وما يتبعها من طقوس وعادات وتقاليد ، فالرحمة كانت تفرق على الفقراء على الترب رحمة ونور على الميت والمقرئين المرتلين كذلك .

ثالثا : أنتشار ظاهرة العذاء فى دار المناسبات بدلا من أقامة السرادقات ، وليس شرطا أن يقام العزاء فى نفس يوم الوفاة ، وأحتمالا أنقراض مهنة

 ( الفراشة ) وشهرت بعض الجوامع والتباهى بالحجز فيها على سبيل المثال ( جامع عمر مكرم ،جامع الحامدية الشاذلية ، جامع أل رشدان وغيرها ) .وتحريم أرتداء الملابس السوداء أكثر من ثلاثة أيام أو أسبوع على الأكثر .

كما أختفت فكرة المشاركة المجتمعية ، صوانى الأكل لأهل الميت ، وغسل الملابس فى اليوم الثالث وتوزيعها على الفقراء .

 

الأفراح طقس شعبي كان يستعد له أستعدادات كثيرة

أصبحت الفراح تقام فى (صالات) أو (سفن عائمة) بدلا من الشوارع أو أسطح المنازل أو داخل البيوت ، وأختفت الداية والماشطة وظهر مكانها

 (البيوتى سنتر ) وليلة الحنة أختلفت كثيرا عن السابق  ويمكن أن تعقد قبل الفرح بيومين أو ثلاثة .

 

حتى الحدوتة أو حكاية قبل النوم أختفت من قاموس الأباء والأمهات وتهنين الأطفال ، والغناء لهم ، واللعاب الجماعية فى الشارع مع الآخرين وتنمية روح الجماعة بدلا عن الأعلاء من قيمة الفرد .

الخرافات

بعض البيوت كانت تعلق كوز من الذرة وعروسة القمح على الباب لمنع الحسد ،وكذلك تعليق خمسة وخميسة وقرن شطة وخرزة زرقاء للمولود

حضارة أى أمة  لا تقاس بمساحتها أو كثافة سكانها ، ولكن تقاس بالعمق الزمنى والتاريخى المتجذر فى أعماقها ، إنها الدولة العميقة .

كل هذه الحلام والعادات والتقاليد أخذت عنها العقلية الشعبية كى تفسر بها شيئا مجهولا أو غامضا عليها كظاسترضاء الألهة ، أو السكان السفلين من الجن والعفاريت فى سابع أرض ، كرك بعض الأطعمة التى سقطت على الأرض ، وطبيخ الملائكة الأرز باللبن ، أو أن الأم الوالدة تترك لبن السرسوب يسقط منه بعض القطرات على الأرض قبل أرضاع الطفل الصغير .

المعتقدات

دافع مهم للناس للحفاظ على عاداتهم وتقاليدهم وممارستها بشكل طقسى واضح والأحتفلات الخاصة أثناء طقوس العبور .

وأعتقاد البعض فى فكرة التشائم والتفاؤل من أشياء أو طيور أو حيوانات ،الحذاء المقلوب ، الغراب الأسود ، البومة ،وغيرها .

وأحيانا الجماعة الشعبية تعيد أنتاج وبث هذه المعتقدات حسب الظروف وشروط الحياة المعاشة .

والمعتقد الشعبى للسحر وخاصة الأسود كثيرة وفى الحكايات الشعبية فكرة أمنا الغولة والنداهة وجنية الساقية وأم الشعور ،وكذلك التحولات ، والكائنات الخرافية مثل(  طائر الفنيق )الذى يخرج من الرماد كل ذلك سمعنا عنه ونحن أطفال صغار .




الأربعاء، 9 يوليو 2025

قصة صورة

 صورة

----------------

كانت تقصد.

بالتأكيد كانت تقصد.

وفعلت ذلك عن عمد.

ربما تكون غير محترفة!

ربما!

عندما أعطيتها الموبايل وطلبت منها أن تأخذ لي صورة.

كانت هى تجلس في الصف الأول، توسمت فيها النقاء والصدق، أعطيتها الموبايل وأنا أضحك: ممكن تصوريني.

وفتحت الكاميرا أمامي.

جريت سريعا ووقفت في أخر الصف تجاه الجهة اليمنى من الطابور الطويل، كنتُ الوحيدة التي تضحك بحبور سعيد، لأن الكاميرا موجهة نحوي والموبايل خاص بي. وهى تجلس في أول الصف أمامي تماماً، وعندما توجهت كل الكاميرات نحونا، ضحكنا جميعا ضحكة كبيرة وواسعة. عندما صرخ رجل هناك فى آخر القاعة وهو يضحك: تشيز يا بنات. وقالت أخرى بصوت مرتفع: بطيخ.

فضحكنا جميعاً ضحكات واسعة وبريئة، نسينا خلالها لمدة ثواني معدودات بعض الأرق والهموم و ساعات السفر والسنوات الكثيرة الماضية.

أنتهى التصوير.

وألتقطت جميع الكاميرات الموجهة نحونا الصور الضاحكة السعيدة.

ونزلنا جميعا من فوق المنصة المرتفعة عن الأرض، وجرينا مسرعات لأخذ الموبايلات من المصورين والمصورات بالقاعة.

وعندما أقتربت منها وأنا سعيدة بالصورة وأقول لها: شكراً جزيلاً لحضرتك.

وأنصرفت، وجلست في المقعد المخصص لي، فتحت الموبايل وأنا في سعادة عارمة، أبحث في الأستديو عن الصورة التي ألتقطتها لي.

فلم أجدها.

أقصد لم أجد صورتي.

وجدت صورة بها جميع الفتايات ضاحكات جميلات سعيدات، ولم أجد نفسي في آخر الصف على اليمين.

وعندما قمت من مكاني، وأخذت الموبايل، وأتجهت نحوها كي أريها الصورة، وأسألها: أين أنا؟

وجدتها تضحك بطريقة بها كثير من الأنتصار واللامبالاة، وقالت بغرور شديد: هو ده الكادر.

قلت لها غاضبة: ولماذا لم أظهر في الكادر؟

ضحكت، وأعتذرت، وقامت واقفة، ثم غادرت القاعة. وأنا أكظم غيظي الدفين.. على ضياع اللحظة.






 

الخميس، 3 يوليو 2025

قصة قصيرة

 حب منتهي الصلاحية

------------------------

 

كم سيكون مرعباً إذا خرجت هذه الروح المتعبة عن الدور المنوط بها!

مذ كانت طفلة صغيرة مكتنزة لم يبرز نهداها بعد، كانت روح حرة، أو ربما روح شريرة، هذا أمر محير لأننا لم نكن معها في طفولتها ولم نتبع خطوات نموها وحياتها بكل دقة ولكننا نعتمد على ما تقوله وتفعله، هى تحبذ دائما الروح الحلوة الطيبة، وظلت لسنوات طوال تجهز نفسها لمهمة شاقة، هى لم تعرف ملامح المهمة بعد، ولكنها كانت كلما نظرت في المرآة ورأت وجهها البض الخجول تبتسم وهى ترسل قبلة إلى نفسها عبر المرآة ثم تقطب حاجبيها أستغراباً وذهولاً عندما ترى علامات النضج المبكر والتضحية بادية على وجهها.

لقد تربت على أن تكون مطيعة، هادئة، طيعة تنفذ الأوامر بكل دقة وتسعد كثيراً عندما تبتسم أمها في وجهها وتقول لها: البنت الشاطرة تقول إيه؟

ترد عليها بهدوء قاتل وهى تحاول جاهدة كظم غيظها: تقول حاضر.

الآن مرت السنون، وتعودت كثيرا على الصمت والقبول الهادئ لكل ما هو سئ ويفرض قوته عليها ولا تقول دائما غير كلمة واحدة: حاضر.

لماذا اليوم تحديداً هى غاضبة؟

عندما نظرت نحو المرآة الكبيرة المعلقة في مدخل البهو الواسع، وقفت دقيقة تنظر نحو وجهها الممتلئ بالتجاعيد، لقد فعلت به السنون أفعال كثيرة بين بكاء وصمت وهجر ونكران، لم تحتمل طويلاً تأمل وجهها في المرآة ولم ترسل له قبلة سعيدة كما كانت تفعل في طفولتها بل جمعت بصاقا كبيرا في فمها ودفعته دفعة قوية نحو وجهها في المرآة وفرت هاربة تاركة قطرات البصاق ينزل على مهل فوق المرآة وهى تتأمله عن بعد في صمت وذهول وأخذت تبتعد.. تبتعد هناك بعيداً فى أبعد مكان وفوق الكرسي الهزاز جلست منهارة تبكي في صمت.

لقد أعتقدت في الماضي ولحماقتها، أن الطيبة والصمت سوف يدفعان عنها غباء وحقد الآخرين!

أخذت تنظر نحو جسدها المتهالك فوق الكرسي والبرد يتسرب إليها من جميع الجهات.

أخذت تفكر طويلا ماذا يحدث لو قامت بتغير عادتها وسلوكها مع الآخرين؟ وصرخت ولو لمرة أخيرة في وجوه الحمقى المستغلين وقالت كلمة واحدة: لا. وتنسى كلمة حاضر نهائياً.هل ستختفي روحها ويتغير جسدها إلى الأفضل وترد له سنواته الماضية وتختفي التجاعيد المحفورة في وجهها؟

لقد كرهت نفسها كرهاً لم تعرفه من قبل.

وأصبحت لا تطيق النظر إلى وجهها في المرآة مرة أخرى مهما مرت من أمام المرآة في الذهاب نحو الطرقة الواسعة  أو الخروج من الحمام، وظلت على هذا الحال طويلا، أيام وأسابيع وشهور حتى فتحت النافذة ذات يوم وأطلت منها، رأت يمامة وديعة تقف على السور المقابل لها تنظر نحوها في صمت وهدوء، قالت داخل نفسها: ربما تكون هذه اليمامة جائعة أو أنها تبحث عن مكان تعشش فيه، دخلت مسرعة إلى المطبخ أحضرت طبقا صغيرا به بعض حبات الأرز وتركته على سور الشباك وأغلقت الزجاج جيدا وظلت تنظر نحو اليمامة الوديعة ربما تقترب من الطعام، ولكنها رأت بعض الغربان تحوم وتحلق عاليا ثم هبطت ووقفت على السور وأخذت تلقط الحب من الطبق. ومازالت اليمامة هناك تقف على السور بعيداً وتنظر نحوها.

فشعرت أن روحها في الداخل ستظل كما هى لن تتغير بتغير الجسد أو الظروف أو ظهور التجاعيد.

ظلت واقفة في صمت حتى أنتهت الغربان من أكل حبات الأرز كاملة ثم طارت محلقة وهى تنعق وترفرف بأجنحتها السوداء ووقفت على الشجرة البعيدة . فتحت النافذة ومدت يدها أخذت الطبق ثم أغلقت النافذة ثانية، وهى في طريقها نحو المطبخ لتعيد الطبق إلى مكانه نظرت نحو المرآة المعلقة  في الطرقة ، رأت   وجهها مرة أخرى وكأن التجاعيد أختفت وظهر وجهها البض البرئ ثانية، أبتسمت في صمت ومرت سريعا متجهة نحو النافذة، نظرت إلى اليمامة على السور رأتها قد طارت وظل مكانها فارغا.

كانت تريد أن تطرح عليها كثيرا من الأسئلة، تريد أن تطرحها منذ زمن بعيد لماذا أنتِ هادئة هكذا؟

لماذا أنتِ وديعة وصامتة؟ لماذا تجلسين على هذا السور طويلا؟ هل عندك يمامات صغيرات تخافين عليها؟ أسئلة وراء أسئلة، رأسها الكبير يمتلئ بالكثير من المسكوت عنه ولكنها رغم ذلك تصمت.

كانت دائما تنتظر نهاية هذا الذل، نعم الذل والقهر الواضح في روحها، لقد بذلت الكثير من عمرها كي تتخلص من هذا الإحساس القاتل، إحساس يمتص روحها وتحاول أن تدفعه خارجها دفعا وتركله بقوة امرأة ضعيفة، ولكن..!

ماذا تفعل في هذا العالم القمئ والذي يشعرها كل لحظة بأنوثتها المهدرة وضعفها المستمر؟

على المنضدة الأمامية بالقرب من النافذة هناك مجموعة من الزهور الحمراء موضوعة داخل إناء زجاجي، الزهور تفتحت بقوة لدرجة أنها أصبحت تتساقط أورقها، وهى كل يوم تجمعها من فوق المنضدة بين يديها بعطف وحنية أم رؤوم ثم تقبلها قبل أن تلقي بها في سلة المهملات.

كانت تمعن النظر كثيرا في هذه الزهور فهى تشعر أنها تذبل وتتساقط أورقها مثلها تماماً.

هنا في هذه المدينة الهادئة البعيدة عن صخب وعنف المدينة الكبيرة ترقد مدينة صغيرة وادعة على أطراف الصحراء، كم تكرهها وكم فتحت النافذة وأطلت منها على الحدائق والأشجار المهملة والمتناثرة هنا وهناك، تقف دقائق، هى دقائق معدودات ثم تشعر بالممل يتسرب إلى روحها المتعبة فتغلق النافذة ثانية على الصمت الداخلي والهدوء الخارجي، هى تعرف روحها جيداً إنها روح تعشق الصخب والضوضاء ولا تمل منه إلا نادرا وهى التي كانت تكره الزحام ولا تطيقه، أصبحت تتمنى أن تسير وسط الناس وتشم رائحة عرقهم النتن في لحظات القيظ ، لحظات الذروة والأزدحام الشديد داخل عربات المترو والباصات وغيرها من وسائل المواصلات المزدحمة.

إن الهدوء شئ قاتل يسحب الروح إلى كهوف مظلمة بعيدة عن الحياة، قاتل مثل الضجيج الدائم ولكنها كانت تحتاج أن تحب نفسها أكثر من ذلك ولا تتعود على الصمت والكتمان الطويل.

إن المرأة تستطيع أن تقاوم جميع الأصوات التي تناديها إلا صوت واحدا هو صوت الحب، لا تستطيع مقاومته خاصة في لحظات الضعف والتردد، والحالة بين، بين، بين النوم واليقظة، الشجن والحزن، الحب والهجر، القوة والضعف، فالحب يكمن في مناطق الضعف في الروح، أما مناطق القوة فهى المناطق التي تقاوم بشدة الذبول والأنزواء من أي هجوم خارجي للذات.

عادت اليمامة الوديعة إلى السور ثانية ووقفت في هدوء ثم طوت جناحيها أسفلها ورقدت في صمت. فتحت المرأة النافذة عن أخرها، وأطلت برأسها، ثم حاولت أن تمد يدها نحو اليمامة الجالسة على السور المقابل في دعة وصمت ولكن المسافة كانت بعيدة بينهما ومهما مدت يدها لا تستطيع الأقتراب منها، أخذت تطل برأسها، ثم بجسمها كاملا، بعد لحظات سمع الجميع صوت أرتطام جسد كبير بالأرض، مع صرخة قوية.

قصة يا مسافر وحدك

 يا مسافر وحدك  

 

ترقص وتطوح بيديها في الهواء عاليا.

على صوت (غالية بن عالي) وهى تغني (يا مسافر وحدك وفايتني..)

عزف الساكس المندمج داخل اللحن بوضوح يعطي طابعا مختلفا تماما عن موسيقى ولحن عبد الوهاب الأصلي للأغنية.

تمنيتُ لحظتها أن أقف إلى جوارها وأطوح ذراعي عاليا في محاولة للرقص والنشوى، ولكن طبيعتي الخجولة المتحفظة حرمتني من فكرة المحاولة.

الحقيقة هو ليس الخجل ما منعني، ولكن الفكرة في حد ذاتها هى أنني لا أعرف الرقص، الرقص كان بالنسبة لي في بيتنا يندرج تحت سقف المحرمات والعيب.

وطنين التحذيرات يملأني (الرقص عيب) بطلي مياصة، مع أنني لا أملك جسد راقص ولا قوام ممشوق، ولكنني كنت أرى البنات بين الحصص يرقصن مثل فراشات طائرة داخل الفصل.

ودائما كنتُ أقف لهن خلف الباب، أسده بظهري كي نشعر بقرب المدرس إذا قام بزق الباب لفتحه.

فتجري البنات مسرعات يجلسن في هدوء، وأنا أفتح الباب بكل ثقة وأضحك في هدوء، فيطمأن المدرس أن الفصل تمام، وأن الأصوات العالية لم تكن من هنا.

أجلس في صمت، والبنات يكتمن الضحك، وينظرن نحوي وهن يهمسن في هدوء وبصوت خفيض: شاطرة. شكرا للشويش عطية.

فعلا تنطبق علي فكرة الشويش عطية .

أكظم غيظي بداخلي وأنا أريد أن أصرخ فيهن لماذا أنتن فرحات، منتشيات، ترقصن في حبوروسعادة وأنا لا؟

ولماذا أنا الوحيدة التي تقف خلف الباب بأستمرار وتسده بظهرها.

وتأتي إلى رأسي أصوات عالية ومحذرة ومنفره (الرقص عيب) البنات المؤدبة تقول حاضر وتسمع الكلام.

في أفراح بنات الجارات كنت أذهب مع أمي، كنت أراها ترقص وتغني وتزغرد لهن، بصوت جميل، وأنا جالسة في صمت أتابع بعيني حركات أهتزاز الأجساد في الرقص والنشوى والحبور والفرح.

وإذا قررت أحدى الجارات أن تمسك يدي وتدخلني داخل الدائرة وسط البنات كي أرقص معهن، كنت أبعد يدها بسرعة وأجلس في مكاني والأصوات العالية المزعجة تملأني (الرقص عيب).

أعود مسرعة إلى البيت، أترك أمي لنشوتها وحبورها مع الجارات، أدخل حجرتي أغلق الباب خلفي، وأذهب في حالة من البكاء الشديد.

يأتي أبي ويسألني من الخارج: أمك فين؟

أجيب في هدوء وأنا أفتح الباب خارجة: ماما في الفرح.

يخلع حذاءه، ويجلس على الكرسي، ثم يضحك وهو يهز رأسه: أعملي لي كوباية شاي يا قطة.

أدخل المطبخ، اسمع صوت عبد الوهاب يشدو عليا: يا مسافر وحدك، يا مسافر وحدك وفايتني، ليه تبعد عني وتشغلني.

حينما أنتهت الأغنية وأغلقت أبنتي صوت المغنية سألتها بهدوء شديد: مين المغنية دي يا قطة؟ ترد بفتور بعد أن تعبت من الرقص: دي غالية بن عالي.

أضحك في مرارة: صوتها حلو. بس عبد الوهاب أحلى.

تغضب أبنتي وتقوم واقفة: يا شيخة حرام عليكي، دا كفاية صوت الساكس وموسيقي الجاز.

أصمت وأنا أستعيد في رأسي صوت عبد الوهاب الشجي وهو يشدو: يا مسافر وحدك. وأبي يشرب من كوب الشاي في نشوة وهدوء.



 

الاثنين، 18 نوفمبر 2024

فصل من رواية عطية الشمس

 (عطية الشمس)

 رواية

صفاء عبد المنعم

-----------------------

 

إهداء إلى/ أبطال رواية من حلاوة الروح

------------------------------------------------

 

(إذا صدقنا الفيثاغوريين فسيجئ يوم نجتمع ثانية في هذا المكان فتجلسون كما أنتم لتسمعوا إلي وأتحدث أنا إليكم كما أفعل الآن.)

                                                                       "أودبومس"

 –--------------------------------------

 

 

 

 

أم الرزق

 

 

زي اليومين دول في الشتا، كات حماتي قعدة على فرشة الصلاة، بتسبح بين المغرب وبين العشا، وسمعتها بتنده عليا بشويش، وبصوت واطي: أنتي يا بت قومي قيدي اللمبة نمرة عشرة، لحسن الدنيا ليلِة، والمغرب غَريب، يا بت قومي.

كل ده وأنا قعدة على عتبة البيت سرحانه، وعماله أفكر، وعينيا عماله تسح دموع، وهات يا عياط، بعد شوية ندهت تاني: أنتي يا بنتي يا حبيتي قومي من بين لعتاب، لحسن مش كويس عليكي، ولا على اللي ف بطنك. هو كل النده ده ومش سمعاني.

وأنا بردو قعدة مكاني عند الباب الكبير بين العتبتين، وعماله أقول في نفسي: والنبي يا رب، يا رازق الطير ف السما، ورازق الدود ف بطن الحجر، أرزقني بحتة عيل ويكون واد، وإنشالله يطلع عبيط.

عشان الناس ما تقولش أم البنات ورثت بناتها العار، وبناتها ما بتخلفش غير بنات زيها، والنبي يا رب يا قادر على كل شئ يا كريم.

وسمعت صوت حماتي تاني وهى عماله تنادي عليا بصوت واطي، عشان حمايا اللى نايم على الكنبة اللي جنبها ف الصالة ما يسمعش صوتها ويصحى، ويدردك الدنيا على راسنا.

- يا بنتي يا حبيبتي، قالو ف الأمثال خدو من قوتكم وقيدو بيوتكم، والمغرب أدن من بدري، والدنيا ليلِة، وقعدة لعتاب مش حلوة عليكي يا أمي، ما تخليش أخت جوزك تأزيكي، قومي يا قلبي زمان الملايكة محوطاكي، وأنتي ف شهرك السابع.

ولما حماتي مالقيتش مني فايدة، ومش برد عليها، راحت هى قايمة واقفة، وجابت اللمبة الجاز نمرة عشرة من على المسمار، وقعدت تقيدها، ووصلت المطبخ، وفضلت تحسس بأديها وتتسند على الحيطان لحد لما جابت الكبريت، وراحت قايدة اللمبة الجاز ومعلقها على المسمار ف الصالة، ورجعت قعدت على فرشتها، ورجعت تنادي عليا من تاني.

- هو أنتي يا بنت الرفضي مش عايزة تقومي من مكانك من بين لعتاب ليه؟ وقعدة تبكي وتنوحي، زي الندابة، إلهي يندبو عليكي يا شيخة.

وقامت حدفاني بفردة القبقاب الكبير، راح جاي في جنبي، قمت صرخت غصب عني وقلت: أي.. أي يا جنبي. بصوت عالي. قام حمايا صحي من نومه، وسمعني وأنا باصرخ، وراح نازل فيها ضرب وتلطيش.

قمت أجري عشان أحوشه عنها، راح القرن طاشش مني، قعدت أصرخ: ألحقيني يا أمه أنا بولد، ألحقني يا با. قام جري وراح شايلني هيلا بيلا وحطني فوق السرير. وهى فضلت تنادي على بنت الجيران اللى قصدنا عشان تنادي على الداية، شوية ولقيت اللى راح نازل مني ووقع على الأرض، وقعدت أصرخ، وحماتي تصرخ وتنادي على بنت الجيران، كل ده وأنا مش قادرة أعمل حاجة، وحتة اللحمة وقعت مني غصب عني على الأرض من فوق السرير الحديد أبو عمدان.

ودخلت حماتي، وراحت واخده حتة اللحمة وحطتها ف حجرها. وجري حمايا وراح ينادي على الداية من بيتها. وسمعت صوت آدان العشا جاي من بعيد، من الجامع اللى هناك عند الوسعاية، فضلت أدعي  وأقول: يا رب والنبي ترزقني بحتة عيل، وإنشالله يكون عبيط.

وكإن ربنا كان قاعد فوق راسي وفاتح باب السما وعلى ما صدق.

وفضلت حماتي تقولي: أدعي يا بت لجوزك ربنا يوسع رزقه ويرزقه برزق المولود الجديد، أدعي يا حبيبتي وأنتي بين أيادي الملايكه، ودعوتك مستجابة.

شوية ودخل حمايا ومعاه الداية. راحت ما سكه العيل من حجر حماتي، وراحت قاطعت الخلاص، ورابطت له سرته، وراحت لفاه ومنيماه جنبي على السرير. ولما حمايا سألها: إيه يا حاجة ولد ولا بنت؟ قالت له وهى بتغسل أيديها بالمياة والصابون: خير يا حاج خير. ولد وإن شاء لله يتربى ف عزكو بس باين عليه ضعيف، عشان أبن سبعة، هات لي كيس قطن كبير يا حج من الأجزخانة لما ألف فيه العيل، عشان يمسكه وأمه تعرف ترضعه، وبعدين راحت بصت ناحية حماتي وقالت لها: جرى إيه يا حاجه فين يا حبيبتي الفرخة العتقية اللي الوالدة هتحطها مكان العيل عشان ترم عضمها؟

قامت حماتي من مكانها وقالت لها: عيني حالا، أصل مكناش عاملين حسابنا، هى ولدت على فجأة.

قالت لها: خلاص يا حاجه هاتي لها بيضتين تلاتة مسلوقين وحطيهم ف معلقة سمنة بلدي كبيرة.

قامت حماتي تجهز الأكل. راحت الداية قالت لها بصوت عالي: والحلبة يا حاجة أوعى تنسي الحلبة بالسمنة البلدي.

وبعدين بصت لي وقالت: يا حبيبتي يا بنتي تولدي فى الشهر السابع وكمان عيل ناقص. ثم أقتربت مني في همس، وهمست لي فى ودني: الحتة اللحمة اللي نزلت باين فيها شئ لله، نازل بيضحك الله أكبر.

 ملت عليها براسي الضعيف المتعب: طمنيني يا خالة، والنبي ولد ولا بنت؟

همست فى ودني وهى بتميل علي بجسمها وتكبس لي ضهري: والله يا بنتي ما حققت قوي، أصل نظري بقى بعافية شوية، بس مش باين له ملامح، ولد ولا بنت أكدب عليكي، الله أعلم، على العموم هو ضعيف، وعنده رجل قصيرة عن رجل، والصباح رباح، والصبح بدري هعدي عليكي قبل ما أروح أطاهر بنتين فى الشارع اللي وراكم، بنات  أم فيفي الخياطة. ملت عليها براسي وهمست لها بضعف شديد: ربنا يقويكي، بس وحياة مقام النبي اللي زرتيه وملستي على شباكه لو طلع بنت أوعي تقولي لحد، قولي ولد وبعدين يحلها المولى.

ثم خرجت من الحجرة وتركتني، وبعدها نمت نوم عميق، ولا أعرفش أمتى خرجت وتركت البيت، ولكن عرفت لما جت فى اليوم التاني أن حماتي قامت أدتها بريزة كاملة، وحتة قماشة حرير أطلس، وأدها حمايا نص ريال وكيلو سكر من ورا ضهر حماتي.

ولما جت وقعدت جنبي ع السرير، حكت لي كل اللي حصل إمبارح. وسندت راسي، وأخدت بأيدي وأتعدلت في فرشتي، وهى تكلمني بهمس عشان محدش يسمعها وقالت لي: أنا هاروح طيارة عند أم فيفي أطاهر البنتين وأرجع لك بسرعه، يكون اللي في البيت صحيو. هزيت راسي فى صمت وما علقتش كتير على اللي قالته إمبارح وكلامها أن الواد فيه شئ لله وأن عنده رجل ورجل، كنت حاسة أن الدنيا عماله تشيل فيا وتحط، والأوضة بتلف بيا وتدور.

حطيت راسي على المخدة، ورحت تاني فى النوم، بس كنت حاسه إن عرقي مرقي، وسمعت صوت من بعيد بينادي عليا، كأنه صوت أمي، أبويا، صوت عرفاه، وعارفة صاحبه، بس مش قادرة أميز هو مين؟ ورحت فى دنيا غير الدنيا، وأنا عماله أخطرف وأنادي عليهم، فين وفين، سمعت صوت حماتي وهى بتحط أيدها على راسي وبتصرخ وبتنادي على جارتنا أم مريم. دخلت بسرعة ولهفة، وحطت أيدها على راسي، وقالت: بسم الصليب، يا لهوي يا خالتي دي سخنة نار حامية.

كنت سامعه كلامهم طشاش كأنه جاي من بعيد، بعيد قوي، ولسه الصوت فى وداني بينادي ومش قادرة أعرف صوت مين بالظبط، وما دريت بروحي إلا وحماتي بتدلق علي مياة بملح، والمياة عماله تطش فى وداني، ولا طشة الملوخية، وفين وفين، فضلت تدعك في راسي وأيديا ورجليا على ما فوقت، وفتحت عينيا، بصيت لقيت حماتي قعدة جنبي على السرير بتعيط  وترقيني، وأم مريم عماله تحط على راسي كمدات مياة ساقعة من القلة. وأول ما فتحت عينيا. شهقت وقالت: باسم الصليب عليكي يا خايتي، العدرا على راسك.

وراحت جايبه سجادة الكنبه وحطاها على جسمي، وأنا برتعش من البرد وأزفزف من السقعة تحت الغطا، وسناني عماله تخبط فى بعض.

فين وفين على آدان الضهر، بصيت لقيت الداية داخلة عليا وهى بتضحك وتبسمل: اسم الله عليكي يا حبيبتي، مالك يا ضنايا.

------------------------------------------------------------------------------  

  د. هويدا صالح دراسة في رواية بعد منتصف الليل   للكاتبة صفاء عبد المنعم   صدرت عن دار إضاءات عام 2025   تأتى رواية «بعد منتصف الليل...

المتابعون